التحول الرقمي في شركات الإنشاءات الأردنية: مشكلة مؤجلة

مقال رأي

رغم الدور المحوري الذي يلعبه قطاع الإنشاءات في الاقتصاد الأردني، ما تزال العديد من شركات الإنشاءات تعمل وفق أساليب تقليدية لم تشهد تطويرًا جوهريًا منذ سنوات طويلة. تعتمد هذه الشركات بدرجة كبيرة على الخبرة الفردية في إدارة المشاريع، في ظل غياب أنظمة تشغيلية متكاملة تنظّم تدفق المعلومات وتدعم عملية اتخاذ القرار.

لا تظهر آثار هذه الإشكالية بوضوح في المراحل الأولى من المشروع، بل تتراكم تدريجيًا. تبدأ باختلافات في الرسومات، ثم تتطور إلى قرارات متأخرة في الموقع، يتبعها إعادة تنفيذ لبعض الأعمال، قبل أن تنتهي بتجاوزات في التكلفة وتأخير في الإنجاز. وفي هذه البيئة، غالبًا ما ينصب التركيز على تحديد المسؤوليات بدل تحليل الأسباب الجذرية للمشكلات.

في هذا السياق، يشير أحد المهندسين العاملين في أحد المشاريع الكبرى في السوق المحلي إلى ظاهرة تتكرر في عدد من الشركات، حيث يتم استخدام مخططات رقمية متقدمة دون تدقيق حقيقي أو فهم واضح للغاية من اعتمادها. ونتيجة لذلك، تتحول هذه المخططات ومخرجاتها إلى عبء إضافي على التكلفة، بدل أن تكون أداة فاعلة لتقليل المصاريف وتحسين كفاءة الإنفاق الرأسمالي.

تعكس هذه الظاهرة إشكالية أعمق تتعلق بسوء فهم مفهوم التحول الرقمي ذاته. فالتحدي في كثير من الحالات لا يكمن في توفر الأدوات أو التقنيات، بل في غياب الرؤية الإدارية التي تحدد الغاية من استخدامها، وآلية ربطها بالأهداف التشغيلية، ومؤشرات الأداء، وإدارة المخاطر.

وفي السوق الأردني، لا يعاني القطاع من نقص في الكفاءات الهندسية، بقدر ما يعاني من بيئات عمل لا تمكّن هذه الكفاءات من أداء دورها بكفاءة. يعمل مهندسون ذوو خبرة ضمن أنظمة مجزأة تفتقر إلى مصدر موحد وموثوق للمعلومات، ما يحدّ من قدرتهم على اتخاذ قرارات مبنية على بيانات دقيقة وفي التوقيت المناسب.

إن التحول الرقمي في شركات الإنشاءات لا يعني مجرد الانتقال من الورق إلى الوسائط الرقمية، بل يمثل انتقالًا إلى نموذج تشغيلي متكامل يربط بين التخطيط والتنفيذ، وبين المكتب والموقع، ويجعل من المعلومة أساسًا لاتخاذ القرار، لا الاجتهادات الفردية.

إن تأجيل هذا التحول لم يعد خيارًا محايدًا، بل أصبح قرارًا له تكلفة مباشرة وغير مباشرة، لا سيما في ظل ازدياد تعقيد المشاريع وتراجع هوامش الربح. فالشركات التي لا تعيد تقييم نماذج عملها اليوم قد تجد نفسها مطالبة ببذل جهد أكبر لتحقيق نتائج أقل.

الخاتمة
إن الإشكالية الحقيقية لا تتمثل في مدى انتشار الأدوات الرقمية داخل شركات الإنشاءات، بل في مستوى الوعي الإداري بالغاية من استخدامها. فالسؤال الذي ينبغي طرحه اليوم هو: هل تُوظَّف هذه الأدوات ضمن إطار واضح لدعم اتخاذ القرار وتحسين الأداء، أم تُستخدم كإجراء شكلي يضيف تعقيدًا وتكلفة دون تحقيق قيمة حقيقية؟


عصام العزام
Architect | Digital Transformation & Construction Industry

Related Posts